اليوم هو الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 9:54 pm   جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين [ DST ]

تسجيل الدخول

اسم المستخدم:
كلمة المرور:
الدخول تلقائياً  


إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 3 مشاركة ] 
   
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: الإشارات الفلكية في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السقلي
مشاركةمرسل: السبت مارس 27, 2010 10:56 pm 
غير متصل
نجم يتألق
صورة العضو الشخصية

اشترك في: السبت فبراير 20, 2010 9:23 am
مشاركات: 88
ـ "نزول إنانا إلى العالم السفلي " تأتي هذه الأسطورة من عمق التاريخ عندما كان الإنسان يتأمل مظاهر الوسط المحيط حوله محاولاً إيجاد تفسير لها . في ذلك العصر الباليوليتي وعلى ألواح طينية مشوية نقشت أسطورة " نزول إنانا إلى العالم السفلي ".

هذه الأسطورة قد أثرت بالنتاج الأدبي للحضارات الأخرى فقامت بنقلها وحاولت تطويرها بتعبئتها بمحصلة خبرة بشرية طويلة فما "عستارت و أدونيس" و" إيزيس و أوزوريس " و"عناة و بعل"... إلا نسخة مطورة عن " إنانا و تموز " أسطورة الحياة في حضارة بلاد ما بين النهرين.

هذا النص الموغل في القدم يرجع لأواسط الألف الثالثة قبل الميلاد حيث دونه السومريون محاولين نقل خبرتهم وحصيلة تأملاتهم للأجيال القادمة, وقد أعاد كتابة النص البابليون من بعدهم مع اختلافات تبدو منطقية بعد التأمل في الإشارات الفلكية التي تغزو النص.

هذا النص الموغل في القدم كتبه مؤلفه بعناية تامة مخفياً أسرار كثيرة عن الناس العاديين. و لقد أجريت العديد من الدراسات تناولت النص ميثالوجياً و نفسياً... ولكننا هنا سنقدم دراسة فلكية على النص فمن المعروف أن علم الفلك كان من العلوم الرائدة في حضارة بلاد ما بين النهرين وقد كانت الحياة مغزوة برموز علم الفلك المقدس . فتلاحظ رموزه قد ابتلعت إبداعات تلك الحضارة. وهذا يفسح مجالاً لإمكانية تأثير علم الفلك في تأليف الأسطورة.


ـ تفسير الرموز الأساسية في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي

(إنانا / القمر):
ما لا يدعو للشك إن إنانا تمثل القمر .فالقمر كرمز تنجيمي يعني الخصوبة و تكاثر الأحياء و العواطف و الأحاسيس. وهذه الصفات ترتبط بعمق مع صفات الآلهة إنانا. ولقد كان السومريون يربطون الآلهة بالكواكب*. فلكل إله كوكب في السماء يمثله و لقد كان القمر من نصيب الآلهة إنانا .لذا نستطيع أن نتصور أن الرحلة التي ستقوم بها إنانا إلى العالم السفلي إنما هي رحلة القمر في منازل السماء. ولقد بدأت الرحلة من القمر المكتمل بدراً (حيث يرد في الأسطورة أن إنانا كانت في أوج جمالها وعظمتها) تضاؤلاً من البدر إلى الهلال ليبدأ الازدياد و يكتمل القمر بدراً من جديد. وإذا قبلنا بصحة هذا التفسير سنصل إلى التفسير الفلكي للرمز الثاني وهو العالم السفلي.

ـ (العالم السفلي / طور المحاق):
حسب الأسطورة ستغيب إنانا في العالم السفلي لثلاثة أيام إذ سيبدأ خادمها ننشوبور بالصراخ والبكاء لأجل سيدته أمام الآلهة لينقذوا سيدته من الموت في العالم السفلي. وللرقم ثلاثة في دورة القمر وقع مميز فهو يمثل المدة التي يمكث بها القمر في كل برج قبل انتقاله إلى البرج الآخر و هذه المدة تمثل يومين وثلث اليوم تقريباً إلى ما يعادل ثلاثة أيام. وإن غياب القمر إنما يمثل دخول القمر في طور المحاق حيث لا قمر يظهر في صفحة السماء و يبدو كل شيء مظلماً و باعثاً للكآبة. فالعالم السفلي إنما هو طور المحاق ووصول إنانا إلى العالم السفلي يمثل غياب القمر عن صفحة السماء.
ولكن ماذا يمثل رمز إلهة العالم السفلي؟

ـ (إلهة العالم السفلي / التربة):
لفهم هذا الرمز علينا أن نعرف أن التنجيم عند السومريين كان مربوطاً بتحديد الوقت المناسب للقيام بالأعمال الزراعية وإدارة تربية الحيوان و شؤون الطقس و فيضان الأنهار والظواهر الأخرى الهامة*. ولم يرتبط بحالة الفرد النفسية والسلوكية و المادية, فالتنجيم الفردي برز لدى الكلدانيين، وهذا ما يجعلنا خلال عملية تفسير الرموز أن نربط الإشارات الفلكية مع العمليات الزراعية. فإذا كان نزول إنانا إلى العالم السفلي هو وصول القمر في دورته إلى طور المحاق، فإن نزول تموز إلى العالم السفلي إنما يرتبط بالأمور الزراعية، فتموز هو حبة القمح التي نزرعها في التربة* و هنا سيكون معنى العالم السفلي هو التربة التي نزرع فيها حبة القمح.
ولكن هذا يولد تساؤلاً: لماذا حبة القمح تحديداً؟ لأن القمح هو الغذاء الرئيسي للبشر و هو الذي يعطي لعدّاد الحياة أرقام جديدة لتستمر عجلة الحياة بالدوران.

فالأسطورة تربط بين الدورة الزراعية و بين الدورة القمرية لتحديد أكثر الوقت ملائمة لزراعة حبة القمح في مرقدها. بهذه التفسيرات البسيطة السابقة ( إنانا / القمر ) ( العالم السفلي / طور المحاق ) ( تموز / حبة القمح ) ( إلهة العالم السفلي / التربة ) نستطيع بالفعل أن نقرأ الأسطورة ونحن نحلل عباراتها التي كانت تبدو غير مفهومة و نجاوب على أسئلة تخطر مثل : ما الحاجة لنزول إنانا إلى العالم السفلي؟

نقرأ في الأسطورة:

من الأعلى العظيم تاقت إلى الأسفل العظيم
الأعلى العظيم هو طور البدر للقمر هو طور الأوج له ، و الأسفل العظيم هو طور المحاق. فإنانا القمر بدأت الرحلة و هي في أوج كمالها و جمالها، اتجهت إلى العالم السفلي الذي تظهر فيه وهينة ضعيفة لا تملك قوة و هذه إشارة لطور القمر المحاق الغائب. هذه الرحلة بين طوري القمر حالة طبيعية لدورة القمر في منازل السماء الإثني عشر. وبقراءة كلمة (تاقت) يتهيأ لنا التقدم للأمام وعدم الرجوع عن قرار القيام بهذه الرحلة. وهذا يفسر فلكياً بأن القمر والشمس هما الجسمان السماويان اللذان يفتقران للحركة التراجعية في صفحة السماء المرئية من قبل مراقب أرضي.

وهكذا تبدأ إنانا رحلتها بالقمر المكتمل بدراً مروراً بطور المحاق وصولاً إلى الهلال لتستأنف الازدياد للوصول إلى طور القمر المكتمل بدراً من جديد. ومنذ بداية الرحلة نجدها تسلم بضعفها و لا تفكر بتخليص نفسها بل تطلب من رسولها ننشوبور أن يبكي أمام الآلهة العظماء طالباً منهم أن ينقذوا سيدته. وهذا يشير إلى أن دورة القمر دورة طبيعية محمية بقوة الآلهة، و لكن...

ـ لماذا اختار الكاتب المواجهة بين إنانا و إلهة العالم السفلي؟

بما أن إنانا هي القمر وإلهة العالم السفلي هي التربة قد يكون هذا اللقاء يعني القيام بعملية الحراثة لتواجه التربة المحروثة ضوء القمر و ذلك في النصف الثاني من الشهر القمري الذي يسبق الشهر القمري لزراعة القمح. وهكذا تبقى إنانا ثلاثة أيام في ضيافة إلهة العالم السفلي و هذا يمثل حالة القمر المحاق بينما ننشوبور يطلب من الآلهة العظماء تخليص سيدته. ثم يشطح خيال المؤلف ليعرض طريقة غريبة لإنقاذ الإلهة المسجونة في العالم السفلي. وتخرج إنانا من العالم السفلي وخروجها لا بد أنه يمثل ولادة القمر هلالاً، فتبدأ الآلهة باستعادة قوتها وعظمتها ومظهرها الألوهي وهي تعبر البوابات السبعة للعالم السفلي وهي إشارة للاكتمال التدريجي للقمر من الهلال إلى البدر.

إن البوابات السبع التي تمر بها إنانا عند الدخول و الخروج من العالم السفلي إنما هي الأبراج التي يعبرها القمر و هو يزداد و ينقص و يعبر الكاتب عن ذلك بخلع وارتداء الزينة و الملابس. حيث إن مرحلة تضاؤل القمر من البدر إلى الهلال يرمز ذلك بخلع الحارس لزينة إنانا. بينما ازدياد القمر من الهلال إلى البدر يرمز ذلك بارتداء إنانا زينتها مع كل بوابة تعبرها. وهكذا تخرج إنانا من العالم السفلي شرط أن تختار من يفديها ليحل محلها في العالم السفلي. فتقابل (ننشوبور و شارا و لتراك) ولكنها ترفض أن يفديها أي منهم و لكن عندما تقابل تموز (حبيبها) تقبل أن يحملوه عفاريت العالم السفلي كفدية لها.


ـ ما الإشارة الفلكية لذلك؟

إن نزول تموز إلى العالم السفلي يعني بلا شك موعد زراعة القمح ، و نظراً لأهمية زراعة المحصول كان لا بد من وضع إشارة معينة تمكن المراقبين من تحديد الوقت الأمثل للزراعة. و لا بد أن هذه الإشارة ستسبق موعد الزراعة بفترة قصيرة تكون كمنبه للمراقبين. ومن خلال التفسيرات السابقة يتضح أن هذه الإشارة موجودة في دورة القمر في أبراج السماء. بما أن زراعة القمح تتم كما هو معروف في التشارين لذا فإن الإشارة الفلكية التي يبدأ عندها العد التنازلي للأيام التي تسبق موعد زراعة القمح سيكون موعدها في شهر أيلول.

هذه الإشارة هي القمر المكتمل بدراً في برج الحوت فإنانا التي بدأت رحلتها وهي في أوج عظمتها هي رمز القمر المكتمل بدراً في الحوت والحوت هو برج الإنسانية والشفقة و الرحمة ولا ننسى أن دافع إنانا للقيام بالرحلة يفسره مؤلف الأسطورة بأنها كانت ترغب أن تقدم التعازي لإلهة العالم السفلي بسبب موت زوجها الرب (كولجانا). الآن لنتابع حركة القمر في القرص الفلكي المرسوم جانباً و نحن نتابع حوادث الأسطورة.

تبدأ إنانا الرحلة بالقمر المكتمل بدراً في برج الحوت.
تدخل إنانا البوابات السبع للعالم السفلي (القمر يتضاءل من البدر إلى الهلال) و هو يمر في الأبراج: الحوت، الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان ، العذراء حيث برج العذراء هو طور المحاق.
تغيب ثلاثة أيام في العالم السفلي (مدة طور المحاق).
تخرج من العالم السفلي (ولادة القمر هلالاً في برج الميزان).
تعبر البوابات السبع للعالم السفلي ( القمر يزداد من الهلال إلى البدر) وتعبر الأبراج: الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت، الحمل.
تصل إلى أوج عظمتها و ألوهتها (القمر المكتمل بدراً في برج الحمل).
تقابل إنانا ننشوبور (القمر في برج الحمل)
تقابل إنانا شارا (القمر في الثور)
تقابل إنانا لتراك (القمر في الجوزاء)
إنانا تقابل تموز (القمر في برج السرطان)

وهنا حكمة حيث برج السرطان يمتد من 22 حزيران / 22 تموز فهو يأخذ من الشهور تموز وإذا أضفنا إليه أن الكوكب الذي يرعى برج السرطان هو القمر (الرمز الفلكي لإنانا) فهو البرج الذي يرتاح القمر فيه سيفسر هذا علاقة الحب بين تموز وبين إنانا.

بهذا اللقاء تطلب إنانا من عفريت العالم السفلي أن يأخذوا تموز فادٍ لها للعالم السفلي. ونجد أن تموز يطلب من الإله أوتو أن يخلصه وبالفعل الإله أوتو يخلص تموز. إن أوتو هو إله الشمس لدى السومريين. ولا غرابة لهذا الحدث غير المتوقع في الأسطورة، لأن البرج الذي يلي برج السرطان في القرص كما نلاحظ هو برج الأسد و حاكمه الأعلى هو (الشمس) وعلينا أن نعرف أنه حسب الفلك إن كل برج في حلقة الأبراج يلغي عمل البرج الذي قبله ويأتي بحال جديد، إذا طبقنا هذا على الأسطورة فإن القبض على تموز ليقتاد إلى العالم السفلي الذي حدث في برج السرطان من الممكن أن ينتهي هذا الحدث في برج الأسد لذا قوة الإله أوتو(الشمس) قادرة على إنقاذ تموز من العالم السفلي.

وهكذا يهرب تموز من العفاريت:
يهرب إلى شوبيريلا (القمر في برج الأسد)
يهرب إلى بيلبلي (القمر في برج العذراء)
يهرب إلى جشتنانا (القمر في برج الميزان) (يصل القمر هنا إلى طور المحاق)
و يؤسر تموز وتقوده العفاريت إلى العالم السفلي، وهذه إشارة إلى زراعة القمح في التربة.

إذاً: موعد زراعة القمح بعد هذه الرحلة القمرية الطويلة سيكون في الطور المحاق للقمر.

بصراحة لا شيء مؤكد ولا برهان علمي موجود لدي كله مجرد نتيجة لتفسير الأسطورة وهذه النتيجة تحتاج إلى دراسة تجريبية لعدة سنوات لتقرير صحته. وكنت قد أجريت عدة احتمالات لتفسير هذه الأسطورة و كانت النتيجة (إن زراعة القمح: تفضل عندما القمر في برج الحمل، برج السرطان، برج الميزان، برج الجدي) ولكنني اقتنعت أكثر بالتفسير والنتيجة التي شرحتها سابقاً. فهي مقنعة أكثر فكلنا نعلم أن السومريين لم يكونوا قد أوجدوا التقويم عندما عرفوا زراعة القمح، لذا تبدو مراقبة دخول القمر في الأبراج طريقة محتملة جداً في تحديد الموعد المناسب لزراعته، وهذه الخبرة البشرية القيمة شاء كاتب الأسطورة أن ينقلها للإنسانية كلها بكتابة أسطورة الحياة أسطورة " نزول إنانا إلى العالم السفلي".

منقول


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة: Re: الإشارات الفلكية في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السقلي
مشاركةمرسل: الجمعة أكتوبر 05, 2012 5:35 pm 
غير متصل
المشرف العام
صورة العضو الشخصية

اشترك في: الخميس فبراير 18, 2010 9:29 pm
مشاركات: 7169
عاشق النجوم كتب:
ـ "نزول إنانا إلى العالم السفلي " تأتي هذه الأسطورة من عمق التاريخ عندما كان الإنسان يتأمل مظاهر الوسط المحيط حوله محاولاً إيجاد تفسير لها . في ذلك العصر الباليوليتي وعلى ألواح طينية مشوية نقشت أسطورة " نزول إنانا إلى العالم السفلي ".

هذه الأسطورة قد أثرت بالنتاج الأدبي للحضارات الأخرى فقامت بنقلها وحاولت تطويرها بتعبئتها بمحصلة خبرة بشرية طويلة فما "عستارت و أدونيس" و" إيزيس و أوزوريس " و"عناة و بعل"... إلا نسخة مطورة عن " إنانا و تموز " أسطورة الحياة في حضارة بلاد ما بين النهرين.

هذا النص الموغل في القدم يرجع لأواسط الألف الثالثة قبل الميلاد حيث دونه السومريون محاولين نقل خبرتهم وحصيلة تأملاتهم للأجيال القادمة, وقد أعاد كتابة النص البابليون من بعدهم مع اختلافات تبدو منطقية بعد التأمل في الإشارات الفلكية التي تغزو النص.

هذا النص الموغل في القدم كتبه مؤلفه بعناية تامة مخفياً أسرار كثيرة عن الناس العاديين. و لقد أجريت العديد من الدراسات تناولت النص ميثالوجياً و نفسياً... ولكننا هنا سنقدم دراسة فلكية على النص فمن المعروف أن علم الفلك كان من العلوم الرائدة في حضارة بلاد ما بين النهرين وقد كانت الحياة مغزوة برموز علم الفلك المقدس . فتلاحظ رموزه قد ابتلعت إبداعات تلك الحضارة. وهذا يفسح مجالاً لإمكانية تأثير علم الفلك في تأليف الأسطورة.


ـ تفسير الرموز الأساسية في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي

(إنانا / القمر):
ما لا يدعو للشك إن إنانا تمثل القمر .فالقمر كرمز تنجيمي يعني الخصوبة و تكاثر الأحياء و العواطف و الأحاسيس. وهذه الصفات ترتبط بعمق مع صفات الآلهة إنانا. ولقد كان السومريون يربطون الآلهة بالكواكب*. فلكل إله كوكب في السماء يمثله و لقد كان القمر من نصيب الآلهة إنانا .لذا نستطيع أن نتصور أن الرحلة التي ستقوم بها إنانا إلى العالم السفلي إنما هي رحلة القمر في منازل السماء. ولقد بدأت الرحلة من القمر المكتمل بدراً (حيث يرد في الأسطورة أن إنانا كانت في أوج جمالها وعظمتها) تضاؤلاً من البدر إلى الهلال ليبدأ الازدياد و يكتمل القمر بدراً من جديد. وإذا قبلنا بصحة هذا التفسير سنصل إلى التفسير الفلكي للرمز الثاني وهو العالم السفلي.

ـ (العالم السفلي / طور المحاق):
حسب الأسطورة ستغيب إنانا في العالم السفلي لثلاثة أيام إذ سيبدأ خادمها ننشوبور بالصراخ والبكاء لأجل سيدته أمام الآلهة لينقذوا سيدته من الموت في العالم السفلي. وللرقم ثلاثة في دورة القمر وقع مميز فهو يمثل المدة التي يمكث بها القمر في كل برج قبل انتقاله إلى البرج الآخر و هذه المدة تمثل يومين وثلث اليوم تقريباً إلى ما يعادل ثلاثة أيام. وإن غياب القمر إنما يمثل دخول القمر في طور المحاق حيث لا قمر يظهر في صفحة السماء و يبدو كل شيء مظلماً و باعثاً للكآبة. فالعالم السفلي إنما هو طور المحاق ووصول إنانا إلى العالم السفلي يمثل غياب القمر عن صفحة السماء.
ولكن ماذا يمثل رمز إلهة العالم السفلي؟

ـ (إلهة العالم السفلي / التربة):
لفهم هذا الرمز علينا أن نعرف أن التنجيم عند السومريين كان مربوطاً بتحديد الوقت المناسب للقيام بالأعمال الزراعية وإدارة تربية الحيوان و شؤون الطقس و فيضان الأنهار والظواهر الأخرى الهامة*. ولم يرتبط بحالة الفرد النفسية والسلوكية و المادية, فالتنجيم الفردي برز لدى الكلدانيين، وهذا ما يجعلنا خلال عملية تفسير الرموز أن نربط الإشارات الفلكية مع العمليات الزراعية. فإذا كان نزول إنانا إلى العالم السفلي هو وصول القمر في دورته إلى طور المحاق، فإن نزول تموز إلى العالم السفلي إنما يرتبط بالأمور الزراعية، فتموز هو حبة القمح التي نزرعها في التربة* و هنا سيكون معنى العالم السفلي هو التربة التي نزرع فيها حبة القمح.
ولكن هذا يولد تساؤلاً: لماذا حبة القمح تحديداً؟ لأن القمح هو الغذاء الرئيسي للبشر و هو الذي يعطي لعدّاد الحياة أرقام جديدة لتستمر عجلة الحياة بالدوران.

فالأسطورة تربط بين الدورة الزراعية و بين الدورة القمرية لتحديد أكثر الوقت ملائمة لزراعة حبة القمح في مرقدها. بهذه التفسيرات البسيطة السابقة ( إنانا / القمر ) ( العالم السفلي / طور المحاق ) ( تموز / حبة القمح ) ( إلهة العالم السفلي / التربة ) نستطيع بالفعل أن نقرأ الأسطورة ونحن نحلل عباراتها التي كانت تبدو غير مفهومة و نجاوب على أسئلة تخطر مثل : ما الحاجة لنزول إنانا إلى العالم السفلي؟

نقرأ في الأسطورة:

من الأعلى العظيم تاقت إلى الأسفل العظيم
الأعلى العظيم هو طور البدر للقمر هو طور الأوج له ، و الأسفل العظيم هو طور المحاق. فإنانا القمر بدأت الرحلة و هي في أوج كمالها و جمالها، اتجهت إلى العالم السفلي الذي تظهر فيه وهينة ضعيفة لا تملك قوة و هذه إشارة لطور القمر المحاق الغائب. هذه الرحلة بين طوري القمر حالة طبيعية لدورة القمر في منازل السماء الإثني عشر. وبقراءة كلمة (تاقت) يتهيأ لنا التقدم للأمام وعدم الرجوع عن قرار القيام بهذه الرحلة. وهذا يفسر فلكياً بأن القمر والشمس هما الجسمان السماويان اللذان يفتقران للحركة التراجعية في صفحة السماء المرئية من قبل مراقب أرضي.

وهكذا تبدأ إنانا رحلتها بالقمر المكتمل بدراً مروراً بطور المحاق وصولاً إلى الهلال لتستأنف الازدياد للوصول إلى طور القمر المكتمل بدراً من جديد. ومنذ بداية الرحلة نجدها تسلم بضعفها و لا تفكر بتخليص نفسها بل تطلب من رسولها ننشوبور أن يبكي أمام الآلهة العظماء طالباً منهم أن ينقذوا سيدته. وهذا يشير إلى أن دورة القمر دورة طبيعية محمية بقوة الآلهة، و لكن...

ـ لماذا اختار الكاتب المواجهة بين إنانا و إلهة العالم السفلي؟

بما أن إنانا هي القمر وإلهة العالم السفلي هي التربة قد يكون هذا اللقاء يعني القيام بعملية الحراثة لتواجه التربة المحروثة ضوء القمر و ذلك في النصف الثاني من الشهر القمري الذي يسبق الشهر القمري لزراعة القمح. وهكذا تبقى إنانا ثلاثة أيام في ضيافة إلهة العالم السفلي و هذا يمثل حالة القمر المحاق بينما ننشوبور يطلب من الآلهة العظماء تخليص سيدته. ثم يشطح خيال المؤلف ليعرض طريقة غريبة لإنقاذ الإلهة المسجونة في العالم السفلي. وتخرج إنانا من العالم السفلي وخروجها لا بد أنه يمثل ولادة القمر هلالاً، فتبدأ الآلهة باستعادة قوتها وعظمتها ومظهرها الألوهي وهي تعبر البوابات السبعة للعالم السفلي وهي إشارة للاكتمال التدريجي للقمر من الهلال إلى البدر.

إن البوابات السبع التي تمر بها إنانا عند الدخول و الخروج من العالم السفلي إنما هي الأبراج التي يعبرها القمر و هو يزداد و ينقص و يعبر الكاتب عن ذلك بخلع وارتداء الزينة و الملابس. حيث إن مرحلة تضاؤل القمر من البدر إلى الهلال يرمز ذلك بخلع الحارس لزينة إنانا. بينما ازدياد القمر من الهلال إلى البدر يرمز ذلك بارتداء إنانا زينتها مع كل بوابة تعبرها. وهكذا تخرج إنانا من العالم السفلي شرط أن تختار من يفديها ليحل محلها في العالم السفلي. فتقابل (ننشوبور و شارا و لتراك) ولكنها ترفض أن يفديها أي منهم و لكن عندما تقابل تموز (حبيبها) تقبل أن يحملوه عفاريت العالم السفلي كفدية لها.


ـ ما الإشارة الفلكية لذلك؟

إن نزول تموز إلى العالم السفلي يعني بلا شك موعد زراعة القمح ، و نظراً لأهمية زراعة المحصول كان لا بد من وضع إشارة معينة تمكن المراقبين من تحديد الوقت الأمثل للزراعة. و لا بد أن هذه الإشارة ستسبق موعد الزراعة بفترة قصيرة تكون كمنبه للمراقبين. ومن خلال التفسيرات السابقة يتضح أن هذه الإشارة موجودة في دورة القمر في أبراج السماء. بما أن زراعة القمح تتم كما هو معروف في التشارين لذا فإن الإشارة الفلكية التي يبدأ عندها العد التنازلي للأيام التي تسبق موعد زراعة القمح سيكون موعدها في شهر أيلول.

هذه الإشارة هي القمر المكتمل بدراً في برج الحوت فإنانا التي بدأت رحلتها وهي في أوج عظمتها هي رمز القمر المكتمل بدراً في الحوت والحوت هو برج الإنسانية والشفقة و الرحمة ولا ننسى أن دافع إنانا للقيام بالرحلة يفسره مؤلف الأسطورة بأنها كانت ترغب أن تقدم التعازي لإلهة العالم السفلي بسبب موت زوجها الرب (كولجانا). الآن لنتابع حركة القمر في القرص الفلكي المرسوم جانباً و نحن نتابع حوادث الأسطورة.

تبدأ إنانا الرحلة بالقمر المكتمل بدراً في برج الحوت.
تدخل إنانا البوابات السبع للعالم السفلي (القمر يتضاءل من البدر إلى الهلال) و هو يمر في الأبراج: الحوت، الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان ، العذراء حيث برج العذراء هو طور المحاق.
تغيب ثلاثة أيام في العالم السفلي (مدة طور المحاق).
تخرج من العالم السفلي (ولادة القمر هلالاً في برج الميزان).
تعبر البوابات السبع للعالم السفلي ( القمر يزداد من الهلال إلى البدر) وتعبر الأبراج: الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت، الحمل.
تصل إلى أوج عظمتها و ألوهتها (القمر المكتمل بدراً في برج الحمل).
تقابل إنانا ننشوبور (القمر في برج الحمل)
تقابل إنانا شارا (القمر في الثور)
تقابل إنانا لتراك (القمر في الجوزاء)
إنانا تقابل تموز (القمر في برج السرطان)

وهنا حكمة حيث برج السرطان يمتد من 22 حزيران / 22 تموز فهو يأخذ من الشهور تموز وإذا أضفنا إليه أن الكوكب الذي يرعى برج السرطان هو القمر (الرمز الفلكي لإنانا) فهو البرج الذي يرتاح القمر فيه سيفسر هذا علاقة الحب بين تموز وبين إنانا.

بهذا اللقاء تطلب إنانا من عفريت العالم السفلي أن يأخذوا تموز فادٍ لها للعالم السفلي. ونجد أن تموز يطلب من الإله أوتو أن يخلصه وبالفعل الإله أوتو يخلص تموز. إن أوتو هو إله الشمس لدى السومريين. ولا غرابة لهذا الحدث غير المتوقع في الأسطورة، لأن البرج الذي يلي برج السرطان في القرص كما نلاحظ هو برج الأسد و حاكمه الأعلى هو (الشمس) وعلينا أن نعرف أنه حسب الفلك إن كل برج في حلقة الأبراج يلغي عمل البرج الذي قبله ويأتي بحال جديد، إذا طبقنا هذا على الأسطورة فإن القبض على تموز ليقتاد إلى العالم السفلي الذي حدث في برج السرطان من الممكن أن ينتهي هذا الحدث في برج الأسد لذا قوة الإله أوتو(الشمس) قادرة على إنقاذ تموز من العالم السفلي.

وهكذا يهرب تموز من العفاريت:
يهرب إلى شوبيريلا (القمر في برج الأسد)
يهرب إلى بيلبلي (القمر في برج العذراء)
يهرب إلى جشتنانا (القمر في برج الميزان) (يصل القمر هنا إلى طور المحاق)
و يؤسر تموز وتقوده العفاريت إلى العالم السفلي، وهذه إشارة إلى زراعة القمح في التربة.

إذاً: موعد زراعة القمح بعد هذه الرحلة القمرية الطويلة سيكون في الطور المحاق للقمر.

بصراحة لا شيء مؤكد ولا برهان علمي موجود لدي كله مجرد نتيجة لتفسير الأسطورة وهذه النتيجة تحتاج إلى دراسة تجريبية لعدة سنوات لتقرير صحته. وكنت قد أجريت عدة احتمالات لتفسير هذه الأسطورة و كانت النتيجة (إن زراعة القمح: تفضل عندما القمر في برج الحمل، برج السرطان، برج الميزان، برج الجدي) ولكنني اقتنعت أكثر بالتفسير والنتيجة التي شرحتها سابقاً. فهي مقنعة أكثر فكلنا نعلم أن السومريين لم يكونوا قد أوجدوا التقويم عندما عرفوا زراعة القمح، لذا تبدو مراقبة دخول القمر في الأبراج طريقة محتملة جداً في تحديد الموعد المناسب لزراعته، وهذه الخبرة البشرية القيمة شاء كاتب الأسطورة أن ينقلها للإنسانية كلها بكتابة أسطورة الحياة أسطورة " نزول إنانا إلى العالم السفلي".

منقول


اشكرك اخي الكريم

_________________

وعلامات وبالنجم هم يهتدون


تويتر monadhl_mosa@
فيس بوك https://www.facebook.com/nehranastrology
بريد الموقع nehran@n2007.com
بريدي الشخصي monadhl25@gmail.com
واتساب + فايبر + تليغرام 00962796033153



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة: Re: الإشارات الفلكية في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السقلي
مشاركةمرسل: الجمعة أكتوبر 05, 2012 7:42 pm 
غير متصل
سماك رامح
صورة العضو الشخصية

اشترك في: الثلاثاء أغسطس 16, 2011 4:45 am
مشاركات: 435
مكان: سوريه - سلميه - اخوان الصفا
سلمت يداك
ممتعه..
ذكرتني بادبيات الفكرالسوري القومي الاجتماعي


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 3 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين [ DST ]


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

الانتقال الى: